القاضي عبد الجبار الهمذاني

139

المنية والأمل

وإنها لمحاولة جريئة من قبلهم ، قاموا بها ، لصيانة التوحيد ، والرد على التشبيه ، ولتفسير الخلق ، والقول بأن المادة حقيقية ، ولتنزيه اللّه عن كل ما يتعلق بالمادة ويشوبها . مصدر فكرة المعدوم : مما لا شك فيه ، أن المعتزلة قد اقتبسوا هذه الفكرة من اليونان . ويؤكد الشهرستاني ذلك الاقتباس ، وأنه من « أرسطو » بالذات . ويقول أرسطو في كتاب ( السماع الطبيعي ) : إن الهيولى - أي المادة الأولى - أزلية أبدية ، ولو كانت الهيولى حادثة ، لحدثت عن موضوع ، ولكنها هي موضوع تحدث عنها الأشياء ، بحيث يلزم أن توجد قبل أن تحدث ، وهذا خلف ، ولو كانت فاسدة ، لوجبت هيولى أخرى تبقى ، لتحدث عنها الأشياء ، بحيث تبقى الهيولى بعد أن تفسد ، وهذا خلف كذلك . وإذا اقتبست المعتزلة ، فكرة المعدوم من أرسطو ، فإن مذهبهم الوجودي متشبع ، بنظرية المثل الأفلاطونية . والمعتزلة قرأت بلا ريب ، جمهورية أفلاطون ، ومحاورة ( تيماوس ) وقالت : إن المعرفة الحقيقة هي معرفة الكليات . لذلك قالت ، بموضوع لهذه الكليات ، هذا الموضوع هو هذا المعدوم ، الذي قالوا به ، ووصفوه خارج الزمان . ولقد ردت المعتزلة فكرة المثل الأفلاطونية وحافظت على جوهر المذهب الأفلاطونى ، القائل بوجود موضوعات الأفكار ، وزادت بأن اللّه وحده ، يمنح الوجود لهذه الموضوعات المعدومة . فيمكننا القول بأن فكرة العدم عند المعتزلة ، مقتبسة من فلسفة أفلاطون وأرسطو . وفي الوقت نفسه ، أخذوا عن أفلاطون فكرة المثل ، بدون أن يقولوا بوجودها الحقيقي ، خارج الزمان . فقط هذه المثل ، ساعدت على تكوين المذهب الوجودي المعتزلي .